نخبة من الأكاديميين

56

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

المشكلة على عدة مستويات . فعلى المستوى العسكري والسياسي استدعت ضرورة التعامل الدبلوماسي والاحتكاك العسكري الذي تصاعد في الفترة ما بين القرن السابع والقرن الحادي عشر حتى تبلور في الحملات الصليبية التي جردها الغرب الكاثوليكي في عقر دار المسلمين ، كما استدعت العمل الفكري لفهم السبب في انتشار الإسلام بذلك الشكل الذي أخاف أوروبا . ومن ناحية أخرى كان لابد من حل مشكلات التعايش مع الإسلام في عالم البحر المتوسط والخوض في إمكانيات التبادل التجاري مع المسلمين بداية من القرن التاسع فصاعدًا . بيد أن المشكلة الأساسية التي واجهت الغرب الأوروبي كانت مشكلة « معرفية » ؛ فقد كان الأوروبيون يجهلون تمامًا سر وجود الإسلام : ما دوره الإلهي في التاريخ الإنساني ؟ هل كان من علامات نهاية العالم ، أم كان مرحلة في تطور الديانة المسيحية ؟ هرطقة هو ، أم انشقاق ، أم ديانة جديدة ؟ هل هو دين من عمل الإنسان أم من وسوسة الشيطان ؟ أم أنه تقليد هزلي فج للمسيحية ؟ هل هو نظام فكري يستحق المعاملة باحترام ؟ ( 2 ) المشكلة المعرفية كانت تلك الأسئلة المضنية المربكة تمسك بتلابيب العقل الأوروبي لتشكل معضلة تاريخية مستعصية على الحل . كانت مشكلة معرفية تم المساس بها مساً هيناً من خارجها ، ولم يكن من الممكن حل هذه المشكلة المعرفية دون المعرفة اللغوية والأدبية التي لم يكن من السهل الحصول عليها بالنسبة إلى الأوروبيين آنذاك . ومن ناحية أخرى ، تفاقمت مشكلة « الجهل » بالإسلام لأن المتعلمين الأوروبيين كانوا من الرهبان ورجال الكنيسة الكاثوليكية الذين تملكهم الانحياز ، وغلب عليهم العداء للإسلام والمسلمين ، كما وقعوا أسرى الرغبة القوية في « عدم المعرفة » خوفًا من أن يصيبهم " الدنس " إذا ما حاولوا « معرفة » شيء في هذا الصدد فقد كانت مشكلة التعليم في أوروبا العصور الوسطى المبكرة تتمثل في أن ما يزيد على 95 % من الذين تعلموا في أوروبا آنذاك - وكانوا ندرة ، تعلموا في مدارس الأديرة ، في حين تلقى الباقون تعليمهم في المدارس الكاتدرائية . ولم يكن هناك وجود للمدارس العلمانية حتى القرن الثاني عشر الميلادي على الأقل . وقد انعكس هذا بطبيعة الحال على فكرة أوروبا عن الإسلام من ناحية ، وعلى الموقف « المعرفي » لهؤلاء المتعلمين من ناحية أخرى . وفضلًا عن ذلك ، لم يكن هناك شيء في تراث الغرب الأوروبي القديم يمكن أن يساعد الأوروبيين على فهم الإسلام ، أو معرفته ، خلال تلك المرحلة . فقد كان الإسلام على عكس اليهودية ، ظاهرة جديدة في التاريخ الإنساني ؛ كان دينًا جديدًا جاء بكتاب يحمل كلام الله بلغة غريبة على الأوروبيين . ولم يعرف الأوروبيون عنه شيئًا في ذلك الحين سوى تلك الدعاوة النزقة التي روجها الكنسيون . وعلى المستوى الدنيوي كان نجاح الإسلام ، متجسدًا في وجوده القوي في عالم البحر المتوسط وفي شبه الجزيرة